عدم تلقي العلم عن أهل البدع
لقد حذر رسول الله صلى الله عليه وسلم من أخذ العلم عن أهل البدع، وعدّه من أشراط الساعة.
عن أبي أمية الجمحي - رضي الله عنه- قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن من أشراط الساعة: أن يلتمس العلم عند الأصاغر»([1]).
قال عبد الله بن المبارك: «الأصاغر: أهل البدع»([2]).
وكذلك جاءت كلمات السلف تترى محذرة من تلقي العلم عن أهل البدع، والأخذ عنهم:
عن علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- قال: «انظروا عمن تأخذون هذا العلم؛ فإنما هو دين»([3]).
وتواترت هذه الكلمة عن جمع من السلف الصالح: محمد بن سيرين، والضحاك بن مزاحم ، وغيرهما([4]).
قال الإمام مالك: «لا يؤخذ العلم عن أربعة: عن سفيه معلن السفه، وصاحب هوى يدعو إليه، ورجل معروف بالكذب في أحاديث الناس وإن كان لا يكذب على الرسول صلى الله عليه وسلم، ورجل له فضل وصلاح لا يعرف ما يحدث به»([5]).
قال الإمام الذهبي: «وإذا رأيت المتكلم المبتدع يقول دعنا من الكتاب والأحاديث وهات العقل؛ فاعلم أنه أبو جهل، وإذا رأيت السالك التوحيدي يقول: دعنا من النقل ومن العقل وهات الذوق والوجد؛ فاعلم أنه إبليس قد ظهر بصورة البشر أو قد حل فيه، فإذا جبنت منه؛ فاهرب، وإلا؛ فاصرعه وابرك على صدره، واقرأ عليه آية الكرسي واخنقه»([6]).
وقال النووي- فيما يباح من الغيبة-: «ومنها: إذا رأيت متفقهاً يتردد إلى مبتدع أو فاسق يأخذ عنه العلم وخاف أن يتضرر المتفقه بذلك؛ فعليه نصيحته ببيان حاله بشرط أن يقصد النصيحة»([7]).
وفي كتاب «فتاوى أئمة المسلمين بقطع لسان المبتدعين»([8]): «أجمع الأئمة المجتهدون على أنه لا يجوز أخذ العلم عن مبتدع، وقالوا: الزنا من أكبر الكبائر أخف من أن يسأل الشخص عن دينه مبتدعاً».
وقال الدكتور بكر أبو زيد -رحمه الله- تحت عنوان: «التلقي عن المبتدع»: «واحذر أبا الجهل المبتدع، الذي مسه زيغ العقيدة، وغشيته سحب الخرافة يحكم الهوى، ويسميه: العقل، ويعدل عن النص، وهل العقل إلا في النص؟ ويستمسك بالضعيف، ويبعد عن الصحيح، ويقال لهم: «أهل الشبهات» و«أهل الأهواء»، ولذا كان ابن المبارك- رحمه الله- يسمى المبتدعة: «الأصاغر».
فيا أيها الطالب! إذا كنت في السعة والاختيار؛ فلا تأخذ عن مبتدع: رافضي، أو خارجي، أو مرجىء، أو قدري، أو قبوري، وهكذا فإنك لن تبلغ مبلغ الرجال -صحيح العقد في الدين، متين الاتصال بالله، صحيح النظر، تقفوا الأثر- إلا بهجر المبتدعة وبدعهم، وكتب السير والاعتصام بالسنة حافلة بإجهاز أهل السنة على البدعة، ومنابذة المبتدعة، والابتعاد عنهم؛ كما يبتعد السليم عن الأجرب المريض، ولهم قصص وواقعات يطول شرحها... فيا أيها الطالب! كن سلفياً على الجادة، واحذر المبتدعة: أن يفتنوك؛ فإنهم يوظفون للاقتناص والمخاتلة سبلاً، يفتعلون تعبيدها بالكلام المعسول -وهو (عسل) مقلوب- وهطول الدمعة، وحسن البزة، والإغراء بالخيالات، والادهاش بالكرامات، ولحس الأيدي، وتقبيل الأكتاف، وما وراء ذلك إلا وحم البدعة، ورهج الفتنة، يغرسها في فؤادك، ويعتملك في شراكه، فوالله لا يصلح الأعمى لقيادة العميان وإرشادهم.
أما الأخذ عن علماء السنة؛ فالْعق العسل ولا تسل، وفقك الله لرشدك؛ لتنهل من ميراث النبوة صافياً، وإلا؛ فليبك على الدين من كان باكياً»([9]).
وقال الشيخ حمود التويجري -رحمه الله-: «..وقد صار تقريب أهل البدع وتوليتهم في وظائف التعليم والوثوق بهم في ذلك سبباً في إفساد عقائد كثير من المتعلمين وأخلاقهم؛ فتراهم لا يبالون بترك المأمورات، ولا بارتكاب المنهيات، فلا حول ولا قوة إلا بالله»([10]).
أصول:
لقد نهى السلف من أهل العلم ومن اتبعهم عن تلقي العلم عن المبتدع؛ لمقصدين:
الأول: حماية للمتعلمين والدارسين عليهم من الإفساد العقدي والمنهجي الذي يأتي عن طريق التأثر بأقوالهم وأفعالهم؛ لأن العلم دين إنما يدرس للعمل به، فإن أخذ عن مبتدع؛ فالمبتدع لا يؤصل المسائل، ولا يقرر بالدلائل إلا بما يتدين به من البدع والأهواء والعادات؛ فيؤثر في تلاميذه علماً وعملاً، فينشؤون على البدع، وحينئذ يصعب رجوعهم، وبخاصة إذا كان التلقي عن أهل البدع في سن الصغر؛ فإنه لا يرجى ذهابه -إلا من رحم ربك-.
قال عمرو بن قيس الملائي -رحمه الله-: «إذا رأيت الشباب أول ما ينشأ مع أهل السنة؛ فارجه، وإذا رأيته مع أهل البدع؛ فايئس منه»([11]).
الثاني: أن هجر أهل البدع؛ لتأديبهم وتأنيبهم.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: «وهذا حقيقة قول من قال من السلف والأئمة: إن الدعاة إلى البدع لا تقبل شهادتهم، ولا يصلى خلفهم ، ولا يؤخذ عنهم العلم، ولا يناكحون، فهذه عقوبة لهم حتى ينتهوا؛ ولهذا يفرقون بين الداعية وغير الداعية؛ لأن الداعية أظهر المنكرات؛ فاستحق العقوبة، بخلاف الكاتم»([12]).
ضوابط:
الأول: النهي عن تلقي العلم عن أهل الأهواء والبدع إنما هو في حالة السعة ووجود من يملأ الفراغ من أهل السنة: أتباع السلف، وهذا الذي ينبغي على أولي الأمر أن يولوه اهتماماً كبيراً؛ حتى لا يقعوا تحت مطرقة الظروف؛ فيضطرون إلى استخدام أهل البدع واستقدامهم؛ لكن إذا تعذر إقامة التعليم والتدريس الذي يحتاج إليه أهل السنة إلا بأهل البدع؛ فلا تعطل مصلحة التعليم؛ لعدم وجود من يقوم بها من أهل السنة، وعندئذ يوكل التعليم والتدريس للقادر عليه من أهل البدع، ويراعي في ذلك أمور:
1- اختيار الكاتم غير المعلن الداعي إلى نحلته المصر على بدعته.
2-اختيار صاحب البدعة الأخف ضرراً وخطراً؛ فمثلاً بعض البدع في مسائل العبادات أخف من مسائل الاعتقاد، وعلى ذلك قس.
3- ينبغي الحذر منه والتحذير من بدعته، وبيان حاله لتلاميذه وطلابه؛ لكيلا يقتدوا بأعماله وأفعاله وسلوكه.
قال شيخ الإسلام -رحمه الله-: «فإذا تعذر إقامة الواجبات من العلم والجهاد وغير ذلك إلا بمن فيه بدعة مضرتها دون مضرة ترك ذلك الواجب: كان تحصيل مصلحة الواجب مع مفسدة مرجوحة معه خيراً من العكس؛ ولهذا كان الكلام في هذه المسائل فيه تفصيل»([13]).
([1]) صحيح- أخرجه عبد الله بن المبارك في «الزهد» (61)-ومن طريقه الطبراني في «المعجم الكبير» (22/رقم908)، و«الأوسط» (8410)، وأبو عمرو الداني في «الفتن» (435)، وأبو نعيم في «معرفة الصحابة» (6638)، وابن عبد البر في «جامع بيان العلم وفضله» (1052)، وعبد الغني المقدسي في «العلم» (ق 16/ب)، وابن منده في «المعرفة» (2/ق 220/ب)، واللالكائي في «شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة» (102)، والخطيب البغدادي في «الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع» (1/137) - عن ابن لهيعة، عن بكر بن سوادة ،عن أبي أمية الجمحي مرفوعاً به.
قلت: إسناده صحيح؛ لأن حديث ابن لهيعة صحيح إذا كان من رواية العبادلة عنه، وابن المبارك منهم.
ومع ذلك لم يتفرد به ابن لهيعة؛ فقد تابعه: سعيد بن أبي أيوب عند الخطيب البغدادي (1/137)؛ وهو ثقة ثبت.
وله شاهد من حديث عبد الله بن مسعود- رضي الله عنه- موقوفاً-وهو في حكم المرفوع؛ لأنه لا يقال من قبل الرأي والاجتهاد-، ولفظه: «لا يزال الناس بخير ما أتاهم العلم من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم وأكابرهم، فإذا أتاهم العلم من قبل أصاغرهم ؛فذلك حين هلكوا».
أخرجه ابن المبارك في «الزهد» (851)، واللالكائي في «شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة» (101)، وابن عبد البر في «جامع بيان العلم وفضله» (1057-1060).
([2]) وقد نقله عنه غير واحد من أهل العلم؛ كاللالكائي (1/85)، وابن عبد البر في «جامع بيان العلم» (2/612).
وعلق عليه الشاطبي في «الاعتصام» (2/174): «وهو موافق؛ لأن أهل البدع أصاغر في العلم، ولأجل ذلك صاروا أهل بدع».
([3]) «الكفاية في معرفة علم أصول الرواية» للخطيب البغدادي (ص121).
([4]) «صحيح مسلم» (1/14)، و«السنن» للدرامي(1/124)، و«الكفاية» (ص121و122).
([5]) «جامع بيان العلم» (ص348)، و«التمهيد» (1/66).
([6]) «سير أعلام النبلاء» (4/472).
([7]) «رياض الصالحين» (530)، و«الأذكار» (304)، و«شرح صحيح مسلم» (16/143).
([8]) (ص13) جمع محمود محمد خطاب السبكي.
([9]) «حلية طالب العلم»(ص28-30).
قلت: وقد كانت كتب الشيخ -رحمه الله- الأولى مثل: «التعالم»، و«حلية طالب العلم»، و«حكم الانتماء»، و«الرد على المخالف»، رماحاً مشرعة في صدور المبتدعة حتى بدا (تغير) على الشيخ منذ كتابه: «تصنيف الناس بين الظن واليقين»، ومن هنا بدأت التنازلات حتى رأينا في كتبه الأخيرة الذب عن (القطبيين)، واتهام لشيخنا الألباني بالإرجاء، والغمز من مدرسته ... فهل أثرت أساليب المبتدعة التي ذكرها، وحذر منها فيه؟ أم وراء الأكمة ما وراءها؟! وإن كان الغدر عنه ننفيه ... ولا زلنا نثق ببعض ما فيه ... فَفَرِّق بين العسل مغشوشه وصافيه!!
([10]) «تحفة الإخوان» (ص76).
([11]) «الإبانة الكبرى» (1/205)، و«الصغرى» (ص133).
([12]) «مجموع الفتاوى» (28/205).
([13]) «المصدر السابق» (28/212).
المصدر: ..: منتديات إخوان الرسول السلفية :..
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق